حديث الجمعة

حديث الجمعة .. آفتا التقصيرِ والقصورِ .. 14-12-1445هـ

آفتا التقصيرِ والقصورِ

14/12/1445هـ

بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِ الخلقِ وأشرفِ الأنبياءِ والمرسلين محمدٍ بنِ عبدِ اللهِ وعلى آلِهِ الطيبين الطاهرين.

ربِّ اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.

اللهم اجعل أعمالَنا خالصةً لوجهِك الكريمِ.

عبادَ اللهِ! أوصيكم – ونفسي – بتقوى اللهِ؛ وإن من التقوى أن نكونَ ممن يعرف الحقَّ فيتبعَهُ، ويعرفَ الباطلَ فيجتنبَهُ.

وهذا يحتاج – بالطبعِ – إلى توفيقٍ في الطلبِ، وتوفيقٍ في العملِ، وتوفيقٍ في الثباتِ.

فإنه ليس كلُّ مَن عرف الحقَّ عمل به، ولا كلُّ مَن عرف الباطلَ تجنبه، ولا كلُّ من عمل بالحقِّ، أو ترك الباطلَ، ثبت عليه.

وقد تلطف اللهُ تعالى بنا فأنزل إلينا كتاباً عزيزاً ﴿‌لَا ‌يَأْتِيهِ ‌الْبَاطِلُ ‌مِنْ ‌بَيْنِ ‌يَدَيْهِ ‌وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ..﴾ [فصلت: 42]، وضمَّنه صوراً كثيرةً لنماذجَ بشريةً مدح بعضَها وجعلها أسوةً حسنةً، وقدح بعضَها وحذَّر من التأسي بها، ومن السيرِ بمثلِ سيرتِها.

وبيَّن – مع ذلك – أسبابَ مدحِ الممدوحِ، وأسبابَ قدحِ المقدوحِ، ﴿.. لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ‌وَيَحْيَى ‌مَنْ ‌حَيَّ ‌عَنْ ‌بَيِّنَةٍ ..﴾ [الأنفال: 42].

ولا بد من التنبيهِ إلى أن الصلاحَ مستوياتٌ، والفسادُ مثلُهُ، والصالحين طبقاتٌ، والفاسدون  كذلك.

وما نريد أن نعالجَهُ بإيجازٍ – هذا اليومَ – هو آفتا التقصيرِ والقصورِ.

ونعني بالتقصيرِ وقوعَ الإنسانِ في الخطأِ والخطيئةِ عن علمٍ وسبقِ إصرارٍ وتعمدٍ.

ونعني بالقصورِ وقوعَهُ في ذلك بسببِ الجهلِ وسوءِ التدبيرِ.

ومن الواضحِ أن حكمَ المقصِّرَ أسوأُ من حكمِ من القاصرِ، وإن اشتركا في قبحِ الحالِ والمآلِ.

***

ولنقف وإياكم – أيها المؤمنون والمؤمناتِ – على مثالين حيَّين للمقصِّرين والقاصرين؛ ليكونَ ذلك عبرةً لنا فنتجنبَ ما أوقعهم في هاتين الآفتينِ.

أما المقصِّرُ، فقارونُ، وهو الذي حكى اللهُ تعالى حالَهُ بقولِهِ ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ..} [القصص: 76].

وقارونُ، هذا، كان ممن امتنَّ اللهُ عليه – كما تنص الآيةُ – بأن آتاه كنوزاً من الأموالِ جعلها في خزائنَ يعجز أولو القوةِ عن حملِها، ولك أن تتخيلَ – بعد هذا – مقدارَ هذه الكنوزِ، وما احتوته هذه الخزائنُ.

وبدل أن يكونَ قارونُ من الحامدين لربِّهم عزَّ وجلَّ، ويشكرَهُ، على ما آتاه من نعمٍ، فيكونَ من المحسنين، فإنه بغى على قومِهِ، فتطاول عليهم، ولم يُحسن إلى المحتاجِ منهم، وظنَّ – بغيرِ حقٍّ – أنه أفضلُ في نفسِهِ منهم، فحاد بذلك عن الجادةِ! واستحق أن يؤمرَ بالمعروفِ، وأن يُنهَى عن المنكرِ، وأن يوعظَ!

وهذا ما كان، فقد نهاه ذوو بصيرةٍ من قومِهِ عن أن يفرحَ ببطرٍ وسلوكٍ لا يرضاه اللهُ، فقالوا له {.. لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76].

وأمروه بأن يوظفَ أموالَهُ في ما أباحه اللهُ وندب إليه، وأن يفقهَ أن الدنيا وسيلةٌ وأن الآخرةَ هي الغايةُ، ولا ينبغي الاشتغالُ بالوسيلةِ عن الغايةِ، وأن يدركَ أن الدنيا ممرٌّ، وأن الآخرةَ هي المقرُّ، ولا ينبغي اللهوُ بالممرِ عن المقرِّ، وأن يعيَ أن الدنيا طريقٌ، وأن الآخرةَ هي المقصدُ، ولا ينبغي أن يزاحَمَ ذاك بهذا، وقالوا له {.. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

ومن هذا النصحِ، يتبين أن قارونَ كان لاهياً في ملذاتِ الدنيا، ذاهلاً عن نعيمِ الآخرةِ، وأنه لم يكن من المحسنين، بل إنه كان من الفاسدين المفسدين.

ولسنا بحاجةٍ – بعد هذه العناوينِ العريضةِ – أن نتعرفَ على تفاصيلِ لهوِهِ، أو نقفَ على وجوهِ فسادِهِ وإفسادِهِ!

وكان ينبغي لقارونَ – لو كان راشداً – أن يتقبلَ النصيحةَ، لكنه لما كان فاسدَ النيةِ، وكان معجباً بنفسِهِ، والعجبُ آفةٌ، تعجرف في الردِّ على ناصحيه، ولم يستمع لنصيحتِهم، بل جابههم بعنجهيةٍ تنكَّر فيها حتى لفضلِ اللهِ عليه، وإحسانِهِ إليه، فما كان جوابُهُ إلا أن {.. قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ..} [القصص: 78].

وما كان لقارونَ أن يتبنى هذا المنطقَ لو كان من أهلِ العلمِ والدرايةِ، ولذلك عقَّب اللهُ تعالى على مقولتِهِ وعجرفتِهِ هذه بقولِهِ {.. أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: ٧٨].

وإنما جيء بهذا التعقيبِ ليعتبرَ مَن وقف على قصةِ قارونَ، فلا يكونَ قارونيَّ المشاعرِ أو قارونيَّ الأفكارِ، أو قارونيَّ الأعمالِ، حتى لا يكونَ قارونيَّ المصيرِ.

فهذا ما كان عليه حالُ قارونَ، في نفسِهِ، فقد كان فاسداً في تفكيرِهِ، وفي مشاعرِهِ، وفي سلوكِهِ، ولم يتعظ بما آل إليه مَن سبقه من الفاسدين المفسدين حيث عاقبهم اللهُ على إجرامِهم وأخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ، وأخَذ قارونُ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ.

ونلفت النظرَ – أيها المؤمنون والمؤمناتُ – إلى أن دأبَ القرآنِ هو التعرضُ للكلياتِ والعناوينِ العامةِ، فإذا تناول الجزئياتِ؛ كحالِ قارونَ، فإنه ينبه – من خلالِها – إلى ما يشير إليه هذا النموذجُ من أشباهِهِ، فلا ينبغي أن نشتغلَ – إذن – بقارونَ الشخصِ عن أمثالِهِ وأضرابِهِ من القوارينِ!

فهذا حالُ المقصِّرُ.

وأما حالُ القاصرُ، فذلك أن سلبياتِ حالِ قارونَ لم تقف عنده، وهو الفاسدُ والمفسدُ عن تقصيرٍ، بل تعدته إلى التأثيرِ سلباً على قاصرين من الناسِ، فكان إذا خرج من دارِهِ يخرج {.. عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ..}، أي إنه كان يخرج في حالٍ يتعمد فيها إبهارَ الآخرين؛ زهواً بنفسِهِ، وتكبراً  على الناسِ، فكان القاصرون منهم ممن {.. يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ..}، وممن لا تتجاوز أنظارُهم ظواهرَ الأحوالِ، ولا تعنيهم جواهرُ الرجالِ، كانوا إذا رأوا قارونَ في زينتِهِ يقولون {.. يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: ٧٩].

وهذا هو حالُ كلِّ قاصرٍ مع كلِ حالةٍ قارونيةٍ، فهو ينبهر بمظاهرِها، ولا يغوص فيها من أجلِ التعرفِ على واقعِها.

وما أشدَّ بؤسِ الإنسانِ أن يكونَ قاصراً في نظرِهِ فلا يقرأ إلا السطورَ، فيعمى بالظواهرِ عن المخابرِ، ويخطئ في تشخيصِ الأمراضِ لأنه لم يحسن تشخيصَ الأعراضِ، لذلك فإنه ينتقل من خطأٍ إلى خطيئةٍ، ومن ظلمٍ إلى ظلمٍ، ظلماتٌ بعضُها فوق بعضٍ!

هذا إذا قرأ!

ومع أن القاصرين كانوا مبهورين بقارونَ، إلا أن اللهَ لطُف بهم بوجودِ ذوي بصيرةٍ فيهم، ممن أوتي علماً ورشداً، يتيح له أن يهديَ إلى الرشدِ والصوابِ، فكان هؤلاء العلماءُ يقولون للقاصرين {.. وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: ٨٠] محذرين إياهم من قَصرِ أنظارِهم على العاجلِ دون الآجلِ، منبهين إياهم إلى أن التسويةَ بين زينةِ قارونَ ومالِهِ من جهةٍ، وثوابِ اللهِ تعالى لِمن آمن وعمل صالحاً وثبت على ذلك من جهةٍ أخرى، هو عملٌ أخرقُ، ولا يقول به سوى أحمقَ، فأين الفاني من الباقي؟! وأين الجحيمُ من النعيمِ؟!

وما كان من اللهِ تعالى وهو اللطيفُ بعبادِهِ، والرؤوفُ بهم، والعالِـمُ بما يُصلِحهم، إلا أن زادَ جرعةَ اللطفِ بهم، فخسف بقارونَ {.. وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} [القصص: ٨١].

وعندما خسف اللهُ تعالى بقارونَ وبدارهِ، وغارت الأرضُ بأموالِهِ، عندها تنبه القاصرون إلى أن ما كان فيه قارونُ من حسنِ الحالِ إنما هو ما يبدو عليه الحالُ، وما يناسب سنةَ الإمهالِ، {.. وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص: ٨٢].

وفي ما جرى لقارونَ الفاسدِ المفسدِ عن تقصيرٍ، وما وقع فيه القاصرون من حكمٍ متسرعٍ، تنبيهٌ إلى أن على الإنسانِ أن يجتهدَ أن لا يكون مقصراً، ولا أن يكونَ قاصراً فيكونَ في معرضِ الخطرِ، فقد يوفق إلى أن يكونَ قريباً من جماعةٍ من الناصحين فينتصحَ بهم إذا أتيح لهم النصحُ، لكنه قد لا يوفق إذا حُرِم من مثلِ هؤلاء، أو حيل بينهم وبين النصحِ، أو حالت أعمالُهُ بينه وبين قبولِ النصحِ!

ثم إن اللهَ تعالى استخلص من قصةِ قارونَ عبرةً قال فيها {.. تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].

فمَن أراد الدارَ الآخرةَ وما أعده اللهُ تعالى فيها من النعيمِ المقيمِ، فقد أُعِدت للصالحين من الناسِ، وهم الذين لا يعلون في الأرضِ، ولا يبغون على الناس، ولا يعتدون على حقِّ ذي حقٍّ، بل لا يريدون ذلك ولا ينوونه ولا يهمُّون به، فهؤلاء هم المتقون، والعاقبة الحسنةُ لهم، وهم أصحابُ الجنةِ هم فيها خالدون، وأما الباغون علوّاً وفساداً في الأرضِ فلا نصيبَ لهم في الجنةِ، ولا عاقبةَ حسنةً لهم.

فللجنةِ سبيلُها وأسبابُها، وللنارِ سبيلُها وأسبابُها، وللإنسانِ أن يختارَ هذه أو تلك {.. مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84].

أعاذنا اللهُ وإياكم – أيها المؤمن والمؤمناتِ – من تقصيرِ قارونَ والقوارينِ، وأعاذنا وإياكم من نظرِ القاصرين، وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القولَ فيتبعون أحسنَهُ.

اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِ محمدٍ.

اللهم كن لوليك الحجةِ بنِ الحسنِ، في هذه الساعةِ، وفي كلِّ ساعةٍ، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً؛ حتى تسكنَهُ أرضَك طوعا، وتمتعَهُ فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلامَ والمسلمين، واخذل الكفارَ والمنافقين.

اللهم مَن أرادنا أو أراد أحداً من المسلمين بسوءٍ فأرده، ومَن كادنا فكِده.

اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وأغنِ فقراءَنا، وأصلِح ما فسَد من أمرِ دينِنا ودنيانا، ولا تُخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا، إنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ.

وصلى اللهُ على سيدِنا ونبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِهِ الطيبين الطاهرين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى